عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
64
اللباب في علوم الكتاب
حذف مفعوليه ، أو أحدهما اقتصارا واختصارا ، وهو في الآية الكريمة يحتمل أوجها : أحدها : أن يكون المفعول الأول محذوفا ، تقديره : يخوفكم أولياءه ، ويقوّي هذا التقدير قراءة ابن عبّاس وابن مسعود هذه الآية كذلك « 1 » ، والمراد ب « أولياءه » - هنا - الكفار ، ولا بدّ من حذف مضاف ، أي : شر أوليائه ؛ لأن الذوات لا يخاف منها . الثاني : أن يكون المفعول الثاني هو المحذوف ، و « أولياءه » هو الأول ، والتقدير : يخوف أولياءه شرّ الكفار ، ويكون المراد ب « أولياءه » - على هذا الوجه - المنافقين ومن في قلبه مرض ممن تخلف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الخروج . والمعنى : أن تخويفه بالكفار إنما يحصل للمنافقين الذين هم أولياؤه ، وأما أنتم فلا يصل إليكم تخويفه قاله الحسن والسّدّي « 2 » . الثالث : أن المفعولين محذوفان ، و « أولياءه » نعت - على إسقاط حرف الجر - والتقدير : يخوفكم الشر بأوليائه . والباء للسبب ، أي : بسبب أوليائه فيكونون هم كآلة التخويف لكم . قالوا : ومثال حذف المفعول الثاني قوله تعالى : فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [ القصص : 7 ] أي : فإذا خفت عليه فرعون . ومثال حذف الجارّ قوله تعالى : لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ [ الكهف : 2 ] معناه لينذركم ببأس ، وقوله : لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ [ غافر : 15 ] . وهذا قول الفرّاء والزّجّاج وأبي عليّ ، قالوا : ويدل عليه قراءة أبيّ والنّخعيّ : يخوفكم بأوليائه « 3 » . قال شهاب الدّين : فكأن هذا القائل رأى قراءة أبيّ والنخعيّ « يخوف بأوليائه » فظن أنّ قراءة الجمهور مثلها في الأصل ، ثم حذفت الباء ، وليس كذلك ، بل تخرّج قراءة الجمهور على ما تقدم ؛ إذ لا حاجة إلى ادّعاء ما لا ضرورة له . وأما قراءة أبيّ فيحتمل أن تكون الباء زائدة ، كقوله : [ البسيط ] 1695 - . . . * سود المحاجر لا يقرأن بالسّور « 4 » فتكون كقراءة الجمهور في المعنى . ويحتمل أن تكون للسبب ، والمفعولان محذوفان - كما تقدم . قوله : فَلا تَخافُوهُمْ في الضمير المنصوب ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 544 ، والبحر المحيط 3 / 125 ، والدر المصون 2 / 263 . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 182 ) عن الحسن وعزاه لابن أبي حاتم عنه . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 1 / 544 ، والبحر المحيط 3 / 125 ، والدر المصون 2 / 263 . ( 4 ) تقدم برقم 814 .